أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
5
العقد الفريد
بدنه ضعيف ، ومنّته عاجزة ؛ قد انتهت عدّته ، وخلقت جدته ، وتم ظمؤه ؛ لا تخيبني وأنا أرجوك ، ولا تعذبني وأنا أدعوك ، والحمد للّه على طول النسيئة ، وحسن التباعة ، وتشنج العروق ، وإساغة الريق ، وتأخر الشدائد ؛ والحمد للّه على حلمه بعد علمه ، وعلى عفوه بعد قدرته ؛ والحمد للّه الذي لا يودى قتيله ، ولا يخيب سوله ، ولا يردّ رسوله . اللهم إني أعوذ بك من الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ؛ وأعوذ بك أن أقول زورا ، أو أغشى فجورا ، أو أكون بك مغرورا ؛ وأعوذ بك من شماتة الأعداء ، وعضال « 1 » الداء ، وخيبة الرجاء ، وزوال النعمة ، وفجاءة النقمة . دعا أعرابي وهو يطوف بالكعبة فقال : إلهي ، من أولى بالتقصير والزلل مني وأنت خلقتني ، ومن أولى بالعفو منك عني وعلمك بي ماض ، وقضاؤك بي محيط ؛ أطعتك بقوتك والمنة لك ، وعصيتك بعلمك ، فأسألك يا إلهي بوجوب رحمتك ، وانقطاع حجّتي ، وافتقاري إليك ، وغناك عني - أن تغفر لي وترحمني ، إلهي لم أحسن حتى أعطيتني . فتجاوز عن الذنوب التي كتبت عليّ ، اللهم إنا أطعناك في أحب الأشياء إليك : شهادة أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ، ولم نعصك في أبغض الأشياء إليك : الشرك بك ؛ فاغفر لي ما بين ذلك ؛ اللهم إنك آنس المؤنسين لأوليائك ، وأحضرهم للمتوكلين عليك . إلهي أنت شاهدهم وغائبهم ، والمطلع على ضمائرهم ، وسرّي لك مكشوف ، وأنا إليك ملهوف ؛ إذا أوحشتني الغربة ، آنسني ذكرك ؛ وإذا أكبت عليّ الغموم ، لجأت إلى الاستجارة بك ؛ علما بأن أزمة « 2 » الأمور كلها بيدك ، ومصدرها عن قضائك ، فأقللني إليك مغفورا لي ، معصوما بطاعتك باقي عمري ، يا أرحم الراحمين . الأصمعي قال : حججت فرأيت أعرابيا يطوف بالكعبة ويقول : يا خير موفود سعى إليه الوفد ، قد ضعفت قوّتي ، وذهبت منتي ، وأتيت إليك بذنوب لا تغسلها الأنهار ولا تحملها البحار ؛ أستجير برضاك من سخطك ، وبعفوك من عقوبتك ، ثم
--> ( 1 ) عضال : شديد . ( 2 ) أزمة : مفردها زمام ، وزمام الأمر ملاكه .